التسقيط من الفعل سقط، انحدر وهوى من درجة عليا إلى سفلى أو أدني. وفي الإصطلاح، معناها الحط من قدر شخص ومكانته الإجتماعية أو الدينية أو السياسية، أو العلمية أو التاريخية إلى درجة أدنى. وبالتالي فهو إسقاط أو نفي الخصائص الحسنة المرغوبة في هذا المجال أو ذاك لدى المجتمع. ويقتضي ذلك بالضرورة التنافس على نفس الدور والمكانة، سواء بين صاحب الادعاء أو الفئة التي يمثلها والتي تناظر فئة ومذهب وتوجه الشخص المفترى عليه.

ويرتبط مفهوم التسقيط بمفاهيم مقاربة مثل البهتان، والزور والكذب، والافتراء، والإدعاء. ويقاربه في المفهوم القرآني (البهتان)، وهو لفظ قرآني وحديث ذو مفهوم أخلاقي. وهذا اللفظ من مادّة (بَهَت) بمعنى: دَهِش وتَحيّر، وبمعنى: عَجِزَ. وهو في اللغة يدلّ على الكذب والافتراء، والغيبة والهمز واللمز. فالبهتان في الاصطلاح القرآني والحديث والأخلاقي يراد به القول على شخص ما لم يفعله. واستناداً إلى مصادر اللغة والتفسير، فإنّ إطلاق كلمة البهتان نابع من الافتراء والكذب على شخص ممّا يجعل المفترى عليه مبهوتا متحيّراً لدى سماعة ما نُسب إليه كذباً. وتذكر بعض المصادر أن المراد بالبهتان مجرّد الكذب والافتراء الذي يؤدّي إلى البهت والحيرة.( )
وهو أيضا إشاعة صفة أو صفات لا يحبها الفرد والمجتمع لهذا الشخص وتخل بسمعته ودوره ومركزه الحالي الرسمي والاجتماعي. والتسقيط ظاهرة اجتماعية، تتخذ جوانبا وأوجها عدة، منها أن تكون على شكل فردي، غرضها النيل من فرد منافس. أو جماعي من خلال نسب صفات وأفعال وممارسات إلى عائلة أو أسرة أو جماعة اجتماعية معينة أو مذهب ديني أو فكري أو حزب سياسي معين ما ليس لديه، والغرض بالنتيجة هو التضليل والحط من قدره وتشويه صورته.
 
دوافعه:

يمكن تشخيص عدد من الدوافع التي تبعث شخصا أو حزبا أو مؤسسة أو جهة ما إلى ممارسة أسلوب أو أساليب تسقيطية تجاه الآخر. ومن هذه الدوافع: الغيرة، والحسد من نجاح الآخر. وهناك طبعا أغراض فردية أو عائلية وهي تعد في الجوانب الاجتماعية والنفسية أحيانا كالتنافس على مركز وظيفي أو مهني أو مركز أو وجاهة اجتماعية. كما ويعد التدافع والتنافس الاجتماعي والسياسي دافعا آخرا للتسقيط. فغالبا ما تشهد مراحل التنافس الانتخابي ممارسات تصنف في عداد أساليب تسقيط الآخر من خلال نسب صفات وتهم للمنافس من شأنها أن تقلل من حظوظه في نيل أصوات الناخبين.

الأساليب التسقيطية:

تتعدد الأساليب التسقيطية وتتخذ أشكالا وفقا لأهدافها. فهناك التسقيط لشخصية معاصرة أو تاريخية، والتسقيط للنيل من السمعة الأخلاقية لشخص ما، والنيل من الجانب الديني، والمستوى الدراسي، والتخوين، خاصة فيما يتعلق بالتجسس والعمالة، وهي أخطر أنواع الأساليب التسقيطية، نتيجة لحساسية موضوعها الذي يواجه بغضب شعبي عادة. كذلك هناك تهم الفساد المالي من قبيل السرقة والإختلاس والإخلال بالوظيفة وما إلى ذلك.
وتستخدم الشائعة كوسيلة لتمرير الغرض من الرسالة "التسقيطية". والحال اليوم فإن وسائل الإعلام تعتبر جسرا وممرا سهلا لعبور مثل هذه الرسائل خاصة تلك التي لا تلتزم الموضوعية ولا تتوخى المهنية والدقة والمسؤولية، في الوقت الذي نشهد فيه وسائل إعلام من الصعب إخضاعها إلى الرقابة التقليدية المعتادة أو حتى خضوعها للمعايير الأخلاقية والمهنية.
  
من يستخدم التسقيط؟

يلجأ لأسلوب التسقيط عادة الأشخاص الذين لا يمتلكون سلاحا فعالا، ودليلا حقيقيا ضد خصومهم، لذلك تجدهم يلجئون إلى هذه الأساليب. وهي على قدر كونها سلمية، لكنها سلاح مؤثر خاصة في المجتمعات ذات السمة الشعبية والبساطة في حياتها والتي تتأثر كثيرا بالشائعة والعواطف في أحكامها. وتعتبر المجتمعات المحلية ذات العلاقات الأولية، ميدانا خصبا لهذا النوع من الظواهر الاجتماعية، وعلى ذلك تقل إلى حد ما في المجتمعات الحضرية والدول المتقدمة لكن لا تنعدم. 
ولا يمكن القول أن التسقيط هو أسلوب العاجزين حصرا، فمن الممكن أن يتبعه (القوي)، حيث تلجأ إلى ذلك غالبا السلطات الدكتاتورية فتنال من معارضيها متبعة أساليبا ممنهجة.

والخلاصة فالتسقيط ظاهرة اجتماعية تمثل نوعا من (الحرب الباردة) بين الأطراف المتنافسة. وبالتالي فهي نوع من الصراع (السلمي). ويمكن لوسائل الضبط الاجتماعي (القانون والدين والعرف الاجتماعي) والمؤسسات العلمية والتعليمية بالإضافة إلى وسائل الإعلام (المسؤولة) أن تمارس دورا كبيرا في عقلنة هذا الصراع وضبطه من أجل ألا تمتد آثاره السلبية إلى المجتمع عامة، فتطيح بالسلم الأهلي الاجتماعي خاصة إذا ما كانت من النوع الذي يطال جهات حساسة مثل الشخصيات التاريخية والرمزية والاعتبارية في المجتمع عامة أو فئات واسعة منه، فتكون بمثابة "الفتنة - التي هي- أشد من القتل"

محمد ال دركلى